إبراهيم الحساوي الذي صنع اسمه


إبراهيم الحساوي الذي صنع اسمه
بقلم/ جعفر عمران

الغضب المتطاير من عيون الممثل إبراهيم الحساوي في مسلسل "الشهد المرّ" الذي تراه أنتَ في العام 2020 أنا شاهدتُه مراراً وتكراراً منذ أكثر من عشرين عاماً. كان يلوّح إصبعه في وجه العقبات ويقول لي: "والله يا جعفر بتشوف إبراهيم إلى وين بيوصل. بفرض شروطي واختار الشيء اللي أبيه".
كان إبراهيم يرفض أن يكون في الصف الخلفي في صورة جماعية أو حتى أن يكون في صورة جماعية، يودّ أن يستفرد بالصورة، يكتبها وينطقها ويصوّرها ويشكّلها كما يريد، يخزّ بعينيه كما يظهر في صورته في بوستر مسلسل "الشهد المر".
منذ بدايته في التمثيل كانت الأحلام تطفر من عينيه. لم يتوقف عند الحلم، كلنا نحلم، لكنّه راح يخطط ويغامر ويتسامح عن شيء من أجره ويتنازل عن قناعاته في بعض الأدوار، كي يصل، كان يصعد السلم باتزان وحقق حلمه وصنع اسمه. 

الممثل الأول
إبراهيم الحساوي شدّ الحبل على رقبة الظروف التي اعترضت طريقه، وحوّلها إلى حظّ سعيد. أخذ يقرأ ويكتب ويتأمل ويفكر ويبحث ويجرّب ويصمت ويسافر ويغامر ويعود ويسافر...
احتاج إبراهيم الحساوي أن يعبر أكثر من ثلاثين عاماً من عمره كي يصل إلى أن يكون الممثل الأول في مسلسل تلفزيوني لا ينافسه ممثلٌ آخر، ليس بكثرة عدد المشاهد ولكن بقدرته في تجسيد شخصية تناسبه شخصياً، مكتوبة لأجله فقط، ولا يقوم بتمثيلها غيره.

ثلاثون عاماً
ثلاثون عاماً بدأها ممثل كومبارس في مسلسل "خزنة" 1989 إلى صار الممثل الأول في مسلسل "الشهد المرّ" الذي يعرض على قناة "الإمارات" رمضان 2020م. 
ما بين هذين المسلسليْن مسرحيات ومسلسلات خليجية وعربية وأفلام وحلقات تلفزيونية وأكثر من أوبريت. ما بين هذين المسلسلين وقبلهما مسرح وشعر ودورات تدريبية على التمثيل وعذابات مؤكدة وأحلام مؤجلة وألف خيبة من نصّ لم يُكتب لأجله ومن مُخرج لم يسمح له أن يطلق مارده أمام الكاميرا، ومن آمال تتباعد عصية على الإمساك بها، إلا أنه أمسك بـ "شوية" من تلك الآمال في مسلسل "شوية أمل" الذي مثّله في البحرين 2011. كثرت الـ "شوية" وكبرت في شخصية عبدالملك في مسلسل "أكون أو لا" 2012 التي جعلت المخرجين والمنتجين يلتفتون إلى إبراهيم الحساوي، لكن ذلك لم يكن يكفيه. في داخله طاقة تمثيلية تريد أن تتمرد وتتمدد.

نادي العدالة
قبل العام 1980م في نادي العدالة في بلدة الحليلة بالأحساء أخذت شخصيته تتشكّل من خلال حفلات السمر الكشفية والحفل السنوي وما يتضمنه من فقرات متنوعة : مسرح وشعر وموسيقى وفلكلور، فتحت له المجال في إعداد الحفلات وكتابة بعض القصائد على شكل مونولوج اجتماعي ، وكتابة وإخراج المسرحيات القصيرة ذات الفصل الواحد ، مع فرقة التمثيل التي تشكلت في النادي وقام بتدريب فريق التمثيل، وتنظيم دورة مسرحية للتمثيل والإخراج، ثم عمل مشرفاً على قسم الفنون المسرحية.
ومن نادي العدالة إلى جمعية الثقافة والفنون بالأحساء في العام 1983م شارك في العديد من مسرحيات "الجمعية" و"مسرح الشباب" التابع لمكتب رعاية الشباب. 

التمثيل هو أن لا تُمثّل
انطلق من مسرحية "ناس تحت الصفر" عام 1987 
ثم جاءت مسرحية "حكاية ما جرى" 1988، وكانت نقلة مهمة في حياة إبراهيم الفنية، ثم أظهر قدراته بشكل واضح في مسرحية "صافي" 1995، مسرحية مونودراما من ممثل واحد، تجربة جديدة في مسرح الأحساء. ومنذ مسرحية "صافي" بدأ إبراهيم يتفرّد في التمثيل.


راحت شخصيته تتشكّل مثل عزف منفرد. تجربته في البحرين في مسرحية "القربان" 1996مع المخرج عبدالله السعداوي محطة مختلفة في فهم التمثيل بصورة مغايرة وعميقة، أدرك أن "التمثيل هو أن لا تمثّل"، بل أن تؤدي دورك كأنك تعيش. 
بعد فيلم "عايش" 2007 دخل إبراهيم في العزلة، أدرك معنى العزلة حفاظاً على روحه، بدأت شخصيته تظهر واضحة. شخصية مختلفة عميقة متوترة وغاضبة من أعمال فنية يراها تُنفذ كيفما اتفق. وكلما شاهد ممثلاً عادياً تعذّب. فكانت العزلة المرهم التي يداوي بها جراحه.
ما بين عامي 1995 و2003 كنا نذهب كل ليلة إلى "مقهى الروشن" في الهفوف "تمت إزالته قبل سنوات"، نقرأ قصائد الشاعر فهد عافت ونمشّط شَعَر ليلِ الأحساء وننتظر "غودو". 

واقع لا يتمرد 
بشكل مفاجئ تصلني منه رسالة:" أنا في الغار" أتهيّأ وأذهب إليه في مكاننا المعتاد: "الغار: فندق الهفوف" المكان الأليف الذي يتحمّلنا، أمضينا ليال كثيرة معاً، ليس بالضرورة أن نتحدث فقد كنّا نصمت طويلاً ونتحاور في صمتنا. نصمت لأن واقعاً فنياً قريباً منّا أخرسنا لم نقوَ حتى على انتقاده، قلنا رأيَنا حتى سكتنا. كنّا نتألم من واقع فني لا يريد أن يتغير ولا يعرف كيف يتمرد. كلّ ذلك كان يدفع بإبراهيم إلى الغضب الشرس الذي تراه في عينيه، يدفع به لإخراج الوحش الذي بداخله، لم يعدّ المسرح ملائماَ أو كافياً لهذا الوحش، كان يريد أن يتحرك ويقفز ويغني ويقول ويتمدد أمام المشاهد دون حدود.

حُلم الأحساء
أسس مؤسسة "نون فن" كان يحلم أن يصوّر الأحساء، أن يُخرجها من الآلام، ويُنتجها في الأفلام والمسرحيات والمسلسلات. 
زار عدد من المسؤولين ورجال الأعمال ليشاركوه الإنتاج، ليقفوا إلى جانبه. في كل مرة يعود منهم بالخيبة. "هي الأحساء. الأحلام فيها تقف عن النمو في عُمُر معين. أمامك خطّ وهمي عليك أن تبصره بوضوح عليك ألّا تتجاوزه، وألّا تقفز عالياً كي لا يرتطم رأسك بالسقف. إبراهيم لم يبكِ حظّه. راح يصنع قدره. غادر هو وأسرته ومؤسسته الفنية وأحلامه الأحساء إلى الدمام. استقبلته بحفاوة وصدر رحب، حتى قَدَره تغيّر، من فيلم إلى فيلم إلى لجنة تحكيم.
أضاف من روحه وخبرته للأفلام التي مثّلها. 
مؤسسته تعافت وكبرت وصارت شركة.

في السنوات الأخيرة راح إبراهيم الحساوي يقرأ غاستون باشلار، وحين تقرأ لباشلار بعدها عليك أن تحملَ موهبتك على محمل الجدّ، تدرك أن الوقت الذي يمرّ عليك هو ملكك وحدك، وعليك أن لا تفرّط فيه.
تأتي شخصية شاهين في "الشهد المر" لتنقلب على "عايش" المسكين المنسحب إلى الداخل، المغلوب على أمره. ربما الوقتُ الآن مناسب لشخصية "شاهين" ليس في طبيعة الشخصية ولكن في طريقة التمثيل. 
وبعد أن وصل إبراهيم الحساوي إلى "شاهين"؛ الآن يبدأ. 
الآن يقول كلمته. 

إبراهيم الحساوي يشدّ الحبل على رقبة الظروف التي اعترضت طريقه، ويحوّلها إلى حظّ سعيد.

2020/5/20

معلومات:
# مسرحية "القربان" تأليف الشاعر صلاح عبدالصبور. إخراج عبدالله السعداوي مسرحي بحريني وهو من أهم المسرحيين الخليجيين.
# مسرحية "ناس تحت الصفر" تأليف وإخراج عبدالرحمن الحمد.
# مسرحية "حكاية ما جرى" تأليف عبدالرحمن المريخي وإخراج علي الغوينم.
# مسرحية "صافي" تأليف وإخراج سامي الجمعان
# فيلم "عايش" سيناريو وإخراج عبدالله العِياف
# مسلسل "شوية أمل" تأليف حسين المهدي منتج علي العلي ـ البحرين.
# مسلسل "أكون أو لا" تأليف حسن المهدي وإخراج علي العلي ـ البحرين.

لقراءة المقال كاملاً و التعليق عليه من خلال تطبيق مدينة الحليلة
( إضغط هنا )  

إتصل بنا

يمكنك الوصول إلينا بأحد الطرق التالية:

  •  966569316875
  •  al-qloop@hotmail.com
  •  المنطقة الشرقية - الأحساء - الحليلة